محمد جواد مغنية

64

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

الأصل العملي بعد أن نفى من نفى الاطلاق عن الأمر ، وأثبتوه بطريق آخر ، كما أشرنا تحدثوا عما يقتضيه الأصل العملي من البراءة أو الاحتياط على فرض عدم وجود دليل أو أصل يثبت التوصل أو التعبد . وذهب صاحب ( الكفاية ) إلى وجوب الاحتياط ، لأن الشك في قصد الامتثال ليس شكا في وجوب الجزء كالسورة من الصلاة ، أو في وجوب الشرط كنظافة الساتر حين الصلاة مثلا ، وانما هو شك في سقوط التكليف بعد العلم به . والتكليف اليقيني يستدعي الامتثال اليقيني ، ومن تهاون استحق العقاب ، لأنه عصى مع البيان وقيام البرهان على وجود التكليف . وقال النائيني بالبراءة ، لأن الشك في وجوب قصد الامتثال انما هو شك في أن الشارع هل أوجبه بأمر مستقل - وهو الذي أطلق عليه متمم الجعل - أو ان الشارع سكت عنه . وبناء على ذلك يكون الشك في أصل التكليف ووجوده لا في سقوطه والخروج عن عهدته . وهذا هو الأرجح والأقرب ، لأن هيئة الأمر تدل على طلب الفعل المدلول عليه بالمادة ، وليس منه قصد الامتثال كما هو المفروض ، لأن طلبه يحتاج إلى بيان زائد وجعل مستقل ، وهو منفي بالأصل . وسوف نعود إلى المسألة ثانية أو نظائرها في مبحث : دوران الأمر بين الأقل والأكثر . وتسأل : ما رأيك في قول من قال : إن قصد الامتثال من شؤون الطاعة التي أوكل الشارع أمرها إلى العقل ، وبناء عليه فلا يفتقر قصد الامتثال إلى بيان الشارع كي يقال : لو أراد لبيّن ، وبالتالي فلا يكون العقاب على تركه عقابا بلا بيان ، وبما ان الاحتياط ممكن ومقدور فيجب بحكم العقل ؟ الجواب : أجل ، ما على الرسول إلا بلاغ الأحكام وكفى ، أما الطاعة فيحكم بها العقل ، ولكن ليس له أن يشرع أحكاما من عنده ويقول للمكلف الشاك في مراد الشارع : هذا حلال ، وهذا حرام . والمفروض في مسألتنا ان المكلف يجهل ويشك في أن الشارع هل أوجب عليه قصد الامتثال في هذا الفعل بالخصوص أو لا ؟ والسبب الموجب لشكه عدم البيان ، ولا شأن للعقل في ذلك إلا مجرد الحكم بقبح العقاب بلا بيان . وعليه فأصل البراءة محكم ومحتم .